الحكيم الترمذي
29
كيفية السلوك إلى رب العالمين
الفصل الثّاني وإن المؤمن قد ابتلى بالنفس وأمانيها ، وأعطيت النفس ولاية التكلف بالدخول في الصدر . والنفس معدنها في الجوف وموضع القرب وهيجانها من الدم وقوة النجاسة ، فيمتلىء الجوف من ظلمة دخانها وحرارة نارها ، ثم تدخل في الصدر بوسوستها وأباطيل أمانيها ابتلاء من اللّه إياه حتى يستعين العبد بصدق افتقاره ودوام تضرعه لمولاه ، فيجيبه اللّه تعالى ويصرف عنه شرها . وكذلك الشيطان ، يدخل بوسوسته في صدر العبد ، وهو آخر ولاية حد النفس ، لأن النفس الأمّارة بالسوء شكل الشيطان ، وهما شيطانان ، قال اللّه تعالى : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] . وإن اللّه جل وعلا رحم عبده المؤمن حيث لم يجعل قلبه في يد نفسه ، وإنما هو برحمته يتولاه ، ويبتليه بدخول الشيطان ووسوسته في صدره ليعلمه قليلا من حقارة قدره ويريه تمام فقره وتصديق ذلك قوله عز وجل : وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ [ آل عمران : 154 ] يعني ، واللّه أعلم ، بوساوس الشيطان والنفس ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ [ آل عمران : 154 ] وهو طهارة القلب بنور الإيمان ، وقال جل وعز : الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) [ النّاس : 5 ] . اعلم أن انشراح الصدر والضيق إنما يضاف إليه ولا يضاف إلى القلب . قال اللّه تعالى : فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [ الأعراف : 2 ] ، وقال : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [ هود : 12 ] ، وقال : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ ، وأخبر عن كليمه موسى عليه السلام أنه قال : رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي ، فأضاف اللّه الضيق إلى الصدر . وضيق صدر النبي عليه السلام وصدر الكليم لا يكون من جهة الوسواس الذي يكون لعامة المسلمين ، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عصمهم ربهم من وسواس الشيطان ومنازعات النفوس ، ولكن كانت تضيق صدورهم إذا سمعوا الكفار يذكرون للّه شريكا أو يكذبونهم إذا ذكروا وحدانية اللّه تعالى . ولا غاية لضيق الصدر إذا ضاق ، وصدر كل واحد يضيق على قدر جهله وغضبه ، وكذلك لا غاية لسعته إذا انشرح بهدي اللّه تعالى ، فإذا ضاق عن الحق اتسع للباطل ، وإذا ضاق عن الباطل اتسع للحق . ألا ترى إلى ما ذكر اللّه تعالى على